علي بن محمد البغدادي الماوردي

208

أدب الدنيا والدين

كلامي إن قلته ضائع * وفي الصمت حتفي « 1 » فما أصنع وربما فهم المسؤول الإشارة فألجأ إلى التصريح بالعبارة تهجينا للسائل ليخجل فيمسك ويستحي فيكف فيكون كما قال أبو تمام : من كان مفقود الحياء فوجهه * من غير بوّاب له بوّاب والشرط الثاني - أن يلقى بالبشر بالترحيب ويقابل بالطلاقة والتقريب ليكون مشكورا إن أعطى ومعذورا إن منع . وقد قال بعض الحكماء : الق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره . وقال ابن لنكك : إن أبا بكر بن دريد قصد الوزراء في حاجة فلم يقضها له وظهر له منه ضجر فقال : لا تدخلنك ضجرة من سائل * فلخير دهرك أن ترى مسؤولا لا تجبهن بالردّ وجه مؤمل * فبقاء عزك أن ترى مأمولا تلقى الكريم فتستدل ببشره * وترى العبوس على اللئيم دليلا واعلم بأنك عن قليل صائر * خبرا فكن خبرا يروق جميلا والشرط الثالث - تصديق الأمل فيه وتحقيق الظن به ثم اعتبار حاله وحال سائله فإنهما لا يخلوان من أربعة أحوال : ( فالحال الأولى ) أن يكون السائل مستوجبا والمسؤول متمكنا فالإجابة هاهنا تستحق كرما وتستلزم مروءة وليس للرد سبيل إلّا لمن استولى عليه البخل وهان عليه الذم فيكون كما قال فيه عبد الرحمن بن حسان : إني رأيت من المكارم حسبكم * أن تلبسوا خز الثياب وتشبعوا فإذا تذوكرت المكارم مرة * في مجلس أنتم به فتقنعوا فنعوذ باللّه ممن حرم ثروة ماله ومنع حسن حاله أن يكون مستودعا في صنيع مشكور وبرّ مذخور . وقد قيل لبخيل : لم حبست مالك ؟ قال : للنوائب فقيل له : قد نزلت بك . وقال بعض الشعراء : مالك من مالك إلّا الذي * قدّمت فابذل طائعا مالكا

--> ( 1 ) حتفي : الحتف الهلاك .